لم يلدني شجر قط : شوقي بزيع الأحد , 5 نوفمبر 2006 م مطفأٌ صدري
وأدنى رسلي اليأسُ
وأعلى خضرةً مني ذبولي
لم يلدني شجرٌ كي أرتق الأرضَ بأضلاعي
وأدعو الماءَ ضيفي
أو نزيلي
والذي يُثقلني ليس حديداً
كي تؤاخي وحشتي القاعَ
ولا جمهرةً من رغباتٍ لم أنلها
كي أُمنّي بصباحٍ هادئِ الموجِ
مناديلَ رحيلي
لكأني طائرٌ يخبط في أوديةٍ عمياءَ،
يرتابُ ظلامي بي
ويمحوني دليلي
لكأن الأرضَ شاخت من قرونٍ
والذي يخفق في أرجائها
محضُ دمٍ
يقطر من حبل ضحاياها الطويلِ
ليتني نارٌ فأصفو
أو لقاحٌ فأرى ما تُتئم الشهوةُ
في مخدعها الأبيضِ من جمرٍ
وما يجعلُ من رائحة الأنثى
ممرّاً للخيولِ
أيها الموتُ الذي يفغر في وهدةِ روحيَ فاهُ
تَوِّجْني بإكليلكَ،
زَوِّجْ ظلماتي لدمٍ آخرَ،
مازجْني
امتزجْ فيَّ لتصفو خمرتي فيكَ،
تَنَاوبْني لكي أصنع من ضدّي
بديلي
رُدَّني طيناً كما كنتُ
ليسعى لهبي نحوي
وترثيني قرائيني
وأحجارٌ تلّمْستُ بها نبضَ الفصولِ
لم يلدني شجرٌ قطُّ
ولا رعدَ يُسمّيني
لكي أقرعَ في هذا المدى الخاوي طبولي
وأنا أكثر من إسمٍ
لكي يُكملني المعنى،
ولا تكفي لراياتي سهولي
وأنا النهرُ الذي يدفعه المجرى
لكي يبلغ بحراً ميّتَ الموجِ
ويطوي فُلْكَه الأعمى
على نَوْحِ الأفولِ
أين أُعلي رايتي بعدُ؟
إلى أي مجازٍ أُسند الجملةَ
كي تختلطَ الأشياءُ مع أسمائها فيَّ،
وكي يرشدني الرمزُ
إلى ما يجعل البرقَ مصبّاً لسماواتي
وغيماً لهطولي
كل ما حُمِّلتُه حُمِّلتُه قسراً،
ولم أنهض إلى حربٍ
لكي يلتقيَ الجمعانِ في زحمة أصدائي،
ولا خُيِّرتُ بين الماء والنارِ
لكي أختار عنقاءَ ارتفاعاتي
وآياتِ نزولي
لستُ «يوحنا» لكي ترقص من أجليَ «سالومي»
وكي يُحمل رأسيَ في صحنٍ
ويُسعى لي إلى عرش نبوءاتي،
ولا «عيسى» لكي تنكرني قبل صياحِ الديكِ
أعضائي
ولا «مريمُ» أمّي
كي تُسجّي نعشَ أحلامي
على ورد «الجليلِ»
ما الذي يصُفُر في صدري
وقد أُفرغتُ من مجرايَ كالرمحِ
وآختني طواحينُ الهواءِ
ما الذي يحقن رأسي بالشياطينِ
ويعوي في خلايايَ
كأني مُدُنٌ مذبوحةٌ في الشمسِ
من دون غطاءِ
بِتُّ لا أسمع في ذروة فوضايَ
سوى أجنحةٍ تخفق في الريحِ
ولا أُبصرُ إلا ما تدلّى
من مرايايَ
إلى
بئرِ عمائي
لم يصلني أحدٌ بي
ولم أعثر على وسوسةٍ تشبهني
كي أدّعي وصلاً بأطرافي
ولا أفضتْ إليَّ امرأةٌ بالسرِّ
كي أفتضَّ هذا الشبقَ الملغزَ
في جوف النساءِ
لم تعد تحلم بي أرضٌ لكي أُوسعَها
موتاً
ولا شمسَ تحاذيني
لكي أُسند كالنخلةِ
جدرانَ
السماءِ
شَبِقٌ كامرأةٍ تمتحن النهرَ بساقيها
وناءٍ كربيعٍ لم تعد أزهارُهُ
من «كربلاءِ»
تتهجّاني شعوبٌ من مراراتٍ
وتعدو أبجدياتٌ من الخوف ورائي
أَسْرِجوا لي فرساً من خشب الوهمِ
لكي أطعن تِنّينَ المساراتِ
بأعقاب حنيني
ولكي أمضي إلى عشبٍ
يُغطّيني بأهداب بلادي
فلقد أنشبني في لحمه الأسودِ
تُفّاحُ الصباحاتِ
التي ترفلُ في ثوب الحِدادِ
أَسْرِجوني كي أرى قطرةَ ضوءٍ
لم تزل تنبض في هذا السوادِ
ها أنا ألتفّ كالحبل على عنقِ
انكساراتي
وأُقعي مثلَ برجٍ خربٍ
فوق حطامي
كلَّما انهار جدارٌ في مكانٍ ما
تحسّستُ انهدامي
كلَّما صفّق قمحٌ بجناحيهِ
تراءت لي ينابيعُ دمي الأولى
وأطيافُ قرًى بيضاءَ
تصطكّ على مرمى عظامي
ها أنا أفترشُ الريحَ كحطّابٍ
وأستجلي مرايا الوقتِ وحدي
لم يلدني شجرٌ قطٌّ
ولكني، محاطاً برعايايَ،
سأمشي نحو يأسي
كغرابٍ رابط الجأشِ
وأُملي ما تبقّى من وصايايَ
على
من
يرفعُ
الصخرةَ
بعدي .
****
شوقي بزيع الزنزلخت السنديان الخرّوب المنصف الوهايبي منتظرا واليوم محمود درويش هُنَالِكَ حُبٌّ يسيرُ على قَدَمَيْهِ الحَرِيرِيَّتَيْن سعيدًا بغُرْبَتِهِ في الشوارع، حُبٌّ صغيرٌ فقيرٌ يُبَلِّلُهُ مَطَرٌ عابرٌ فيفيض على العابرين: ( هدايايَ أكبرُ منّي كُلُوا حِنْطَتي واشربوا خَمْرَتي فسمائي على كتفيَّ وأَرضي لَكُمْ )... هَلْ شمَمْتِ دَمَ الياسمينِ المُشَاعَ وفكَّرْتِ بي وانتظرتِ معي طائرًا أَخضرَ الذَيْلِ لا اسْمَ لَهُ? هُنَالِكَ حُبٌّ فقيرٌ يُحدِّقُ في النهرِ مُسْتَسْلِمًا للتداعي: إلى أَين تَرْكُضُ يا فَرَسَ الماءِ? عما قليل سيمتصُّكَ البحرُ فامش الهوينى إلى مَوْتكَ الاِختياريِّ، يا فَرَسَ الماء! هل كنتِ لي ضَفَّتَينْ وكان المكانُ كما ينبغي أن يكون خفيفًا خفيفًا على ذكرياتِكِ ? أَيَّ الأغاني تُحِبِّينَ ? أيَّ الأغاني? أَتلك التي تتحدَّثُ عن عَطَشِ الحُبِّ، أَمْ عن زمانٍ مضى ? هنالك حُبّ فقير، ومن طَرَفٍ واحدٍ هادئٌ هادئٌ لا يُكَسِّرُ بِلَّوْرَ أَيَّامِكِ المُـنْتَقَاةِ ولا يُوقدُ النارَ في قَمَرٍ باردٍ في سريرِكِ، لا تشعرينَ بهِ حينَ تبكينَ من هاجسٍ، رُبَّما بدلاً منه، لا تعرفين بماذا تُحِسِّين حين تَضُمِّينَ نَفسَكِ بين ذراعيكِ! أَيَّ الليالي تريدين ? أيَّ الليالي ? وما لوْنُ تِلْكَ العيونِ التي تحلُمينَ بها عندما تحلُمين? هُنَالِكَ حُبٌّ فقيرٌ، ومن طرفين يُقَلِّلُ من عَدَد اليائسين ويرفَعُ عَرْشَ الحَمَام على الجانبين. عليكِ، إذًا، أَن تَقُودي بنفسِكِ هذا الربيعَ السريعَ إلى مَنْ تُحبّينَ أَيَّ زمانٍ تريدين ? أَيَّ زمان ? لأُصبحَ شاعِرَهُ، هكذا هكذا: كُلَّما مَضَتِ امرأةٌ في المساء إلى سرِّها وَجَدَتْ شاعرًا سائرًا في هواجسها. كُلَّما غاص في نفسه شاعرٌ وَجَدَ امرأةً تتعرَّى أَمام قصيدتِهِ... أَيَّ منفىً تريدينَ? هل تذهبين معي، أَمْ تسيرين وَحْدَكِ في اسْمك منفًى يُكَلَّلُ منفًى بِلأْلاَئِهِ ? هُنالِكَ حُبٌّ يَمُرُّ بنا، دون أَن نَنْتَبِهْ، فلا هُوَ يَدْري ولا نحن نَدْري لماذا تُشرِّدُنا وردةٌ في جدارٍ قديم وتبكي فتاةٌ على مَوْقف الباص، تَقْضِمُ تُفَّاحَةً ثم تبكي وتضحَكُ: (لا شيءَ، لا شيءَ أكثر من نَحْلَةٍ عَبَرَتْ في دمي... هُنالِكَ حُبّ فقيرٌ، يُطيلُ التأمُّلَ في العابرين، ويختارُ أَصغَرَهُمْ قمرًا: أَنتَ في حاجةٍ لسماءٍ أَقلَّ ارتفاعًا، فكن صاحبي تَتَّسعْ لأَنانيَّةِ اثنين لا يعرفان لمن يُهْدِيانِ زُهُورَهُما... ربَّما كان يَقْصِدُني، رُبَّما كان يقصدُنا دون أَن نَنْتَبِهْ هُنَالِكَ حُبّ ...
برهافة امرأة يداهمها النعاس على الأريكة
يستقلّ الزنزلخت جذوعه التعبى
ليلتمس الإقامة تحت شمس خائره
مغرورقاً أبداً بما ينسابُ
من عرق الجباه على الحنينِ
وما يفيض عن المنازل من نفاياتٍ
ومن تعب السنين الجائره
يغضي على نزواته
كفتىً طريّ العود داهمه البلوغُ،
ويستبدّ بروحه حيناً جموح صارخ
لتلقف الشهوات
من أوكارها الأولى
فيصهل حين ترمقه فتاة ما بنظرتها
ويجمح فوق قائمة الصبابات الوحيدة
مثل سرب من خيول لم تروّض
ثم يدرك أنه، كبقية الأشجار،
محض تطلّع أعمى إلى جسد الحياة،
فيستعيد هدوءه الدهريّ
منطوياً على أغصانه الخجلى
وما تذروه من وجع على عينيه
أفئدة الرياح الشاغره
الزنزلخت عصارة الأحلام
تأليف موسيقيّ الخشوع
لما ترسبّه المناحات الأليفة
فوق مجرى الدمع،
يولد من رياح غضة الأيدي
ويسلم نفسه،
كرموش عينيْ طفلة مجهولة الأبوين، للمجهول
ثم، كمن تذكّر فجأة حباً مضى
يرتدّ ثانية
ليجمع تحت أثقل خيبة
أوراقه المتناثره
لنسيجه طعم الفراق المرّ،
تسرف في تناوله النساء
إذا وقعن على حبيب لا يجيء،
كأنه، وهو الذي لا يحسن الإفصاح
لا يلوي على تمر من الأثمار
بل يرنو مريضاً
نحو نافذة الحياة الخاسرة
لكأنه شجر لغير زماننا
ولذا يظل بمأمن قبضة المتربصين به
غريباً لا تهش له الجرود
ولا تبادله الروائح نفثة
من عطرها المشبوب،
لا فصل يليق بما تكابد نفسه
لكنه يصل الفصول ببعضها،
مخضوضراً أبداً يظل الزنزلخت
ويرتمي متهالك الأنفاس
في حضن النجوم الغائره
الزنزلخت نزوعنا الصيفي للنسيان،
تكرارٌ عديم الشكل للتحليق فوق الموت،
ينهض كل يوم من مخابئه
ليسقي جنة أبدية الأقمار
تلمع فوق ريف العين،
وهو الجانب المرئي من لون الغياب
وطائر غض له شكل النبات
يطير بلا جناح في صباحات القرى
ليغط في صحو بعيد الغور
أو ليصير عند رحيله
خشباً لبيت الذاكره
هو أكثر الأشجار تعويلاً على ما فات،
عكّاز الطفولة
والثغاء الأوليّ لماعز الماضي
ولا تحتاج غصته إلى برهان
لنراه تلزمنا مناديلٌ تلوّح من بعيد
للسواقي البيض،
أحلامٌ لتبديد المخاوف
حول موقده الأليف
وعدة لتسلق السنوات حين نشيخ كالأمثال
تحت نشيجها الواهي
وتلزمنا معاول صلبة الأيدي
لنبحث، حيث يفترض النبات مقابر الأسلاف،
عن شجر نبادله الجذوع
وعن هواء كامل النسيان
السنديان ظهيرنا البريّ
لا شجر يعمّر في القرى إلا بإذن منه،
لا جرس يدندن في السفوح
بغير نخوته
وتمتحن الفحولة نفسها
بجماله الظمآن
السنديان رحيلنا الفطريّ
في طرق مؤبدة الشكوك
فحين يلوح قرص الشمس أخضر
في الظهيرة
ينتشي طرباً،
وحين تمرّر فوقه الذكرى جدائلها الطويلة
يستبدّ به أنين شاعري الرجع
يُسكر صوتُه الوديان
لكنّ في دمه الغضوب
بريق أفراس تحمحم في الهواء
ولن يكون بمستطاع الريح في الفلوات
أن تلوي عزيمته
فليس يموت إلا واقفاً
ويظل رغم سقوطه متوثباً
كتوثب النيران في الصوان
للسنديان طبيعتان:
ضراوة شتوية للانقضاض
على دم المعنى،
وتوق مستمر للتحلق حول صيف الشكل
وهو يضيء بينهما
ممراً ضيق الخطوات
بين الوحش والإنسان
ذات سماء ما
زرقاء ويانعة، كانت تتدفق موسيقى الأكوان
على الأكوان
ولم تكن الأشجار
سوى ريح خالصة الخيبة
نائمة في ناي مثقوب
ذات سماء ما
كان هلالان شقيقان
يطلان على الأرض من الأعلى
ويضيئان معاً شرفات دامعة الأهداب
وأودية بيضاء
وأسمال بيوت
ودخان حروب
لم يحدث عبر الأزمان أن افترقا
بل طفقا يثبان كجديين معاً
بين الأيام،
معاً رضعا من نهد الشمس
حليب أمومتهما الصافي
ومعاً كانا يبتاعان غيوماً
من أسواق الغيم السوداء
لتستر عريهما الفضي
وأوشاماً... وندوب
لكن، في أحد الأسحار،
تصدّت لهما نجمة صبح خضراء
وهوجاء الفتنة،
مضرمة تحت حرير جمالهما الرائق
عاصفة من شهوات حمرٍ،
وسياطِ براكينَ
ولسعِ ذنوبْ
ذات سماءٍ ما
كان هلالان شقيقان يسلاّن سيوفاً
تصقلها الغيرة بينهما بالأنياب
فيقتتلان كما لا يفعل أعتى الأعداء،
اقتتلا كغزالين على نبع
واقتتلا كغرابين على رمشين يفيضان سواداً،
وكعودين على وتر منهوب
وككأسين من الدمع اقتتلا
حتى انكشفت من حولهما
قيعان الأفلاك
وحتى انجلت الحرب عن الغالب والمغلوب
ذات سماءٍ ما
كان هلال يبيضّ ككفل المهر
بعيد غروب الشمس
ويصبح مذ فاز بنجمته
بدراً مكتمل الطلعة
محمولاً فوق سماء من شغف مشبوب
فيما راح الآخر
يهبط نحو الأرض
لكي يتقوّس كالقرن اليابس،
عريان وأسود،
في شجر الخروب
أبواب خلفية
في ذلك الركن القصيّ من الكتابة
حيث أفشل في تعقب فكرة
هربت من الإيقاع
يحدث فجأة أن تدخل امرأة إلى المقهى
وتجلس باتجاه البحر،
منعكساً على المرآة
كان جمالها ينحلّ في الصمت المحايد بيننا
كمراكب منهوبة الأحزان،
لم تتجشّم التحديق في أحد
من الجلساء،
لم تلحظ خلوّ يدي من الكلمات
بل فتحت كتاباً،
كان يرقد في حقيبتها،
وغامت في تضاعيف الكتاب
في ذلك الركن القصيّ من الكتابة
راح يعصف بي حنين جارف
للقفز فوق وجوديَ الفاني،
لتمكين المجاز من التطلع نحو مصدره
وتنقية الجمال من التراب
متأمّلاً في وجهها،
في اللامبالاة التي تعلو التفاتته
إلى الأشياء،
كدت أرى مجاراة الظلال
لضوئه العاري
النعاس كما لو أنه، متنكراً
في هيئة امرأة،
يجرّد جسمها الشفاف من جريانه
تحت الثياب
لكنني متأخراً أدركت
أني لم أكن أرنو إلى أحد،
فلا امرأة رأيت
سوى ما يستحيل بقوة التحديق
صورة ما نحب،
لذا، وقد امتحنت بدون جدوى
خيبة الكلمات
غادرت المكان كعادتي في مثل هذا الوقت
كي تأتي القصيدة في غيابي!
منذ الألف الأولى
قبل الميلاد
أن تأتي راعية
الماعز في مسكلياني
في زينتها الملكية
أن أتشمم فيها
رائحة النبق البري
ووعثاء الغابات
منتظرا
جسدا
خلاسيا
غسلته أمطار الصيف
وأنضحه ماء الوردة
أن تدفىء قبوي البارد
في تمبكتو
كم كنت أراها في نومي
تتنزه بين الردهات
وأقواس النصر الرومانية
أو تركب قاربها في أوتيكا
وتطوح بالمجذاف
إلى ترشيش
وأنا أتبعها
في نومي
أحيانا في هيئة
بحار فينيقي
أحيانا في خرقة
صوفي مسكين
أحيانا بلباس رجال زرق
وأمازيغ
وأناديها في حلمي
يا راعية الماعز في مسكلياني
ألقيت بمخطوطاتي للماء
ولم أترك رسما في افريقية
أو ميناء
إلا جئت أسائله
منتظرا منذ الألف الأولى
قبل الميلاد
أن أحمل مسرجتي
وأضيء الليل
إلى حجرتها
أن أتملاها
نائمة
أو وهي إلى نافذة
في مسكلياني
تسهر في النور
يساورني شك
فأقول لنفسي
أترى جاءت
راعية الماعز
في مسكلياني
وأنا أغفو
في قبوي البارد في تمبكتو
بين المخطوطات الثلثية
والأوراق
فلم توقظني
والباب
ألم يفتح مرات
وأنا أتقلب في نومي
وأقول لعل الريح
ومسرجتي
هذا النور المتوهج في الفجر
ألم أطفئها
قبل النوم ؟
سيف الدولة الامير صدقة بن منصور المزيدي( القسم الثالث والأخير) عامر عجاج حميد \جامعة بابل \ كلية التربية الاساسية يورد المؤلف تاريخ وفاة الامير ابو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد والد الامير صدقة سنة 479هجرية وربما كان الاصح هو في رجب من عام 478 هجرية كما ورد في فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي. حكم السلطان ملكشاه بين سنتي 465 و485هجرية ويذكر الحاج علي في كتابه(ص 51)ان صدقة لم يقم بنشاط سياسي في هذه الفترة ,لكن كتب التاريخ تذكر ان للامير صدقة شانا في حياة والده الامير منصور ,ففي عام 477هجرية|1084م عندما بذل الاموال لافتكاك اسرى بني عقيل ونساءهم واولادهم عندما حدثت حرب بين فخر الدولة بن جهير وابن مروان وشرف الدولة . وقد مدحه الشاعر محمد بن خليفة السنبسيبقصيدته: كما احرزت شكر بني عقيل با"مد يوم كظهم الضرار (علوش,جواد احمد :محمد السنبسي شاعر بني مزيد,مجلة الاستاذ , مجلد 11,1382_1383هجرية 1962_1963م,ص 313). اما بخصوص السياسة العامة التي سار عليها السلطان ملك شاه في تعامله مع الامارات المحلية التي نشات في العراق فان هذه الامارات لم تنشا زمن ملكشاه بل كانت سابقة لحكمه العراق , وان هذه السياسة لم تكن تخصملكشاه وحده فقد كانت قائمة ومعترف بها . اما الراي القائل ان ملكشاه اعتمد على هذه الامارات في رد القبائل البدوية فهل او للكاتب ان يستطيع تقدير مدى تحضر او تبدي القبائل ولو استطاع احد ان يضع معيارا لذلك فلاشك انه جهد رائع يخص التاريخ الاجتماعي الذي نفتقد الى اسسه بصورة واضحة.فهل التحضر هو الاستقرار فقط او العمل بالتجارة او ممارسة الزراعة او سعة الانتاج الفكري الخ...وربما يفيدنا هذا في هل ان بداوة قبيلة معينة او استقرارها يؤثر ي نوع علاقتها بالسلطة المركزية؟ويمكن ان نسال هل كانت الامارة المزيدية متحضرة ولها جيش ثابت واهلها مستقرون ومانسبة من هو مستقر منهم؟ ويعتمد عليهم ملكشاه في رد القبائل البدوية وهجماتها ومنعها من الوصول الى الاراضي الخصبة والمياه الوفيرة , والفرض اعلاه يفتح المجال لدراسة اوسع حول سلوك القبائل البدوية او سلوك القبائل التي استقرت واصبح لها نفوذ تذكره المصادر التاريخية أي اصبحت امارات كبني عقيل وبني مزيد ,وفي هذه الحالة اين نضع خفاجة او عبادة او المنتفق ومنها الاصيفر المنتفقي الذي تقدمه كتب التاريخ كقاطع طريق وهل ان رعايا هذه الامارات يسكنون المدن والقرى وكم نسبتهم لنعرف درجة تحضرهم اذا كان ذلك مقياسا مناسبا.هذه الاسئلة وغيرها يمكن عند الاجابة عليها اعطاءنا صورة اوضح لمجمل الاحوال الاجتماعية ذلك الوقت من القرنين الرابع والخامس والسادس الهجري. في الفصل الثاني وفي موقف الامير صدقة من قبيلتي عبادة وخفاجة عام 499 هجرية نجد الامير صدقة يساند قبيلة خفاجة سرا وودنا لو فهمنا سر التحالفات القبلية ودوافعها الموثقة والمحتملة,حيث نجد ان المزيديين كانوا على خلاف مع خفاجةعلى مدى سنوات عدة فقد تكفل مزيد مؤسس الامارة زمن فخر الملك (ت 354هجرية) وزير بهاء الدولة البويهي بمحاربة خفاجة واخذ الثار منهم ومات , ويبدو ان الواقعة حدثت قبل 354 ومزيد نفسه قد يكون توفي في هذه الفترة دون تحديد.وجدثت واقعة اخرى قبل هذه انتصرت فيها خفاجة على بني مزيد حيث نجد الخبر عن اخذ الثار منهم فيجب ان تكون هناك واقعة سابقة لهذه لم يحدد تاريخها, فليست كل الحوادث التاريخية عامة والقبلية خاصة موثقة(هل استطعنا توثيق كل الحوادث والمعارك القبلية التي جرت في عصرنا عصر تخريج المئات من المتخصصين بالتاريخ سنويا؟) اجتمع حلف مزيدي عقيلي هزم فيها ابو الحسن كوجري وهو قائد لابي جعفر الحجاج في 8 رمضان 392 هجرية وردا على ذلك يعد ابو جعفر الحجاج لمعركة اخرى بمعاونة خفاجة في موقع يدعى بزيقياوهي قرية قال عنها ياقوت انها قرب حلة بني مزيد(غير محددة الموقع الان كعشرات المواقع التي تحتاج لجهد مؤسساتي لتحديدها)حيث انهزم المزيديون والعقيليون وكان قائد خفاجة في هذه المعركة علي بن ثمال الخفاجي(الصابي ج8 من التاريخ ص 324). في عام 404 |1013 / عاد سلطان بن ثمال امير خفاجة الى عادة النهب فنهب سواد الكوفة فاستعان فخر الملك بابن مزيد لمحاربته, و في عام 415 |1024ماجتمع بني دبيس مع بني خفاجة بقيادة ابي الفتيان منيع بن حسان لقتال قرواش العقيلي ,من هنا نرى ان العلاقات بين المزيديين وخفاجة كانت في مد وجزر_ ويبدو ان العلاقات بين القبائل دائما هكذا_,حتى العام 499هجرية حيث ساند الامير صدقة خفاجة ضد عبادة وكان صدقة انذاك في ذروة مقدرته العسكرية والاقتصادية قبل مقتله بسنتين وودنا لو ان المؤلف توسع في ذكر دوافع الاختلاف او التحالف اكان على النفوذ ام على التقرب الى السلطة ام تنافسا قبليا مجردا ؟حيث نجده في السنة التالية أي 500 هجرية يساند عبادة ضد خفاجة . ونجد ان المؤلف بعد حديثه عن معركة عبادة وخفاجة الثانية يكتب عن معركة حدثت سنة 489 وهي معركة سابقة زمنيا لمعركة 500 هجرية , وهذا مخل بالسياقات الزمنية لكتابة ممنهجة . يورد المؤلف ان التجاء سرخاب بن كيخسرو حاكم ساوة وابة والمتهم بانه باطني الى الامير صدقة والتجائه كان السبب المباشر اضافة لاسباب اخرى لقيام الحرب بين الامير صدقة والسلطان محمد وبالتالي مقتل صدقة ربما كانت خطة مبيته للقضاء على الامير صدقة ورغم احتمالية الفرض لكن لادليل تاريخي عليه حيث نجد ان الامير كان يحمل شمائل عربية اصيلة تحمي من يستجير به وربما خارج الحسابات البراغماتية السياسية , حيث نجد العديد من الشخصيات استجارت به واجارهااو افتراض المؤلف ان الامير صدقة استغل قضية سرخاب (ليعلن ثورته)وهذا ايضا لادليل عليه. في الصفحة 76 من الكتاب نجد تعريفا غريبا لصرصر باعتبارها منطقة تقع بين واسط وبغداد ولم نجد معجما بلدانيا يذكر ذلك , حيث صرصر لدى ياقوت (قريتان من سواد بغداد , صرصر العليا وصرصر السفلى , وهي على ضفة نهر عيسى )وبين السفلى وبغداد نحو فرسخين اي حوالي عشرة كيلومترات , وهي في طريق الحاج. وفي استمراره في اسقاط افكار عصرنا القومية والثورية يعتقد المؤلف انه كان من الاجدى للخليفة العباسي معاونة صدقة للقضاء على التسلط السلجوقي (الذي ارسل في طلبه اصلا احد الخلفاء) واعادة هيبة الخلافة الى سابق عهدها (ولانعرف أي عهد منها ), او انه فهم ان الخليفة كان يحاول تاجيل الحرب لتقوية مركزه ,وانه أي الخليفة كان يخشى طموحات صدقة0 وبعد مقتل الامير صدقة 501هـ نرى ان من النتائج المهمة كما يراها المؤلف لمقتله هو(ان العرب بعد ان كانت لديهم طموحات للاستقلال ، والقضاء على السيطرة الاجنبية وكاد ان يتحقق ذلك الطموح) كل ذلك كانت كتابةَ دعائية لا يدعمها دليل 0 بعد مقتل الامير صدقة دفنه انسان في المدائن وهذا ينفي وجود قبر له في الحلة رغم ان ضريحاَ في شارع الامام علي في الحلة يعرف بانه قبر للامير صدقة والرواية التاريخية تنفي ان دفن في الحلة مع رواية اخرى تؤكد دفنه في مشهد الحسين (ع) , (المنتظم ج 9 ص159)0 يذكر المؤلف ان غي لسترنج مؤلفكتاب بلدان الخلافة الشرقية يذكر ان الجامعين تقع بالجانب الشرقي مقابل الحلة ولم يناقش مدى صحة المعلومة فهل في الصوب الصغير الحالي ام قرب مكان مجاور اخر جنوبا في العتايج الحالية مثلا ام ابعد شمالاويحق لنا التساؤل عن مصدر معلومة لسترنج ام انها نبوية ولايمكن السؤال عنها . وهل يوجد مكان مكان اثاري في هذا الجانب غير معروف؟ ويمكن اعتباره الجامعين والا فان روايات تاريخية عديدة تشير الى وجود الجامعين في الجانب الغربي من نهر سورا الاسفل (شط الحلة بعد ذلك)وقد هوجمت في مرات عديدة من قبل خفاجة وغيرهم في القرن الخامس الهجري . وعن موقع المدينة نقل المؤلف عن مؤلف بحار الانوار (محمد باقر المجلسي)رواية عن الاصبغ بن نباتة عند ورود الامام علي (ع)الى صفين (وقد وقف على تل يقال له عرير) ثم اوما الىاجمة بين بابل والنيل وقال (مدينة واي مدينة فقلت يامولاي اراك تذكر مدينة اكان هنا مدينة وانمحت اثارها؟فقال لا ستكون مدينة يقال لها الحلة السيفية يمدنها رجل من بني اسد ...الخ) ولم يناقش الرواية التي ظهرت بدون سند ممتد ،وعند مناقشة الرواية التي يبدو ان سبب عدم مناقشتها هو الاعتقاد بقداستها ولاعرف مدى احقية مهتم ما بمناقشة رواية او نص يلبس لبوس القداسة رغم الدلائل على بطلانه ,فالحلة لاتقع بين بابل







